السارق المظلوم
كتبهاأحمد ولد إسلم ، في 15 يناير 2007 الساعة: 09:05 ص
بقلم الشيخ ولد أحمد
كيفة- موريتانيا
9chkhmd@maktoob.ocm
كان ذلك في وقت متأخر من الليل، عندما نهضت من مضجعي مذعورا، وعبر نافذة بيتنا المطلة على الزقاق، كانت الأصوات ترتفع والصيحات تتعالى ! سارق ، سارق ،
رميت بنفسي من النافذة إلى الجمع من الناس الذي يطارد السارق وأخذنا نجري خلفه ، فينضم إلينا كل من يسمعنا في المنازل المجاورة للمسالك التي يسلكها صاحبنا.
كنت في أول المتسابقين وراء ذلك السارق الذي كان يعدو بما أوتي من قوة وينتقي أظلم الطرقات وأضيقها … إلى أن رمانا بقنينة غاز ـ الشيء الوحيد الذي كان بحوزته ـ قبل أن نتمكن من القبض عليه
لم يضن أي منا في توجيه رفسة إليه أو ركلة أو صفعة ، وأضعفنا إيمانا من كال له أ فظع السب وأقذع الذم والاستهجان .!
اقتدنا ذلك الرجل إلى مخفر الشرطة في موكب كبير ضم جميع فئات الناس ، حتى الشيخ الو ريع إمام مسجد حارتنا ، الذي ظل يسرد على طول الطريق إلى الشرطة آيات كثيرة وأحاديث في ذم السرقة والانحراف و خيرية التعاون على البر
أدخلنا الرجل على الشرطة ، فاستقبله أولهم بصفعة ساخنة ثم أوصد عليه الزنزانة!
عدنا أدراجنا إلى البيوت ، وفي الطريق شعرت براحة البال وبنشوة الانتصار ، إذ يخرج مجتمعي عن بكرة أبيه ليمسك بسارق وينزل به العقوبة التي يستحق ، مجتمعي ينتفض غسقا من الليل ـ ودون رأفة ـ لينتقم للأخلاق وليقول كلمته دفاعا عن الحق عن الدين وعن الفضيلة ، مجتمعي معافى وبه بقية أخلاق وشيء من التقوى إذن
عدت إلى مضجعي لأنام قرير العين ، فقد أديت واجبي وأنجزت غاية رفيعة ولكنني لم أستطع ، شبح ذلك المسكين الذي لم يسرق الا قنينة تافهة وهو يصيح ويستعطف من التعذيب بات يملأ أجفاني ويطرد الكرى بعيدا ! وبسرعة أحسست بموقفي في شأن السارق يتحلحل ، شعرت بالذنب ودارت في مخيلتي أسئلة كثيرة : لماذا ساعدت في القبض على هذا المسكين ؟ لماذا ساهمت في معاناة هذا البشر؟
لماذا هذا السارق بالذات؟ وما هي أعراض السرقة؟ قاومت وصممت على أن يظل إيماني بسلامة موقفي قائما ، تململت في متكئي وقلت بصوت خافت : نعم موقفي من السارق صواب ، إن ذلك هو الصحيح أن أقف بجانب المناوئين للسرقة والفساد والاعتداء على مال الغير ذلكم هو واجبي وهو مطلب المنطق والأخلاق والشرع
ولكن لماذا سارق القنينة بعينه ؟ لماذا لا ننصفه ؟ الحرمان والبؤس وانسداد آفاق العيش وغياب الدولة واستشراء الظلم الاجتماعي أسباب قد تدفعه الى ارتكاب هذه الخطيئة .؟
ومقابل ذلك لا أريد التماس الأسباب التي تبرر ذلك العمل الشنيع .
فتلك الأسباب لا تعطي صاحبها مبررا للانزلاق الى ممارسة الرذيلة بأي منطق كان ، ولكنها ـ على الأقل ـ قد تمنحه بعض الشفقة مقارنة مع ظروف أخرى محيطة بنوع آخر من أقرانه
قضيت بقية ليل طويلة وعصيبة ، أقارب تناقضات وجداني وما برحت أتذبذب : أأندم على فعلتي أم أفخر بها ؟ ودون جدوى حتى رفع المؤذن أصبح ولله الحمد .!!
في الغد وتحت شمس الظهيرة سمعت مناديا ينادي في أبناء العشيرة أن اجتمعوا لابنكم البار والمسؤول الكبير في الحكومة ، حضرت ليس لأنني من أبناء العشيرة ولكن لأفتك بسارق آخر، وعندما وصل الموظف الكبير ،
هرولت نحوه وقلت سارق ، سارق ، لم يسمع أحد ما قلته لأن الزغاريد وصيحات الترحاب والتنويه والدعاء بطول البقاء كانت تحجب صوتي باستثناء ذلك الإمام الطيب الذي كنت أمسك بيده خوفا عليه من التدافع ، فانتزع مني يده وحدق في وهو يردد بل مسؤول سام وابن خيمة كبيرة ، قلت ألست ـ شيخي الموقر ـ ممن قبضوا على سارق القنينة في الليلة البارحة ؟ قال نعم ، قلت ولم لا تفعل الشيء ذاته مع هذا السارق ؟
تجاهل السؤال وابتعد متعوذا وأخذ يقرأ آيات في الحسد والقذف واطاعة ولي الأمر.!
خرجت صاغرا من الجمع المحتفل للمسؤول الكبير البار لقبيلته ، وهناك استعدت مداركي واسترجعت توازني وتوصلت إلى موقف نهائي من مسالة السارق.
لقد سامحته وعساه أن يسامحني وحجمت عن التنديد به في انتظار أن يشمل العقاب جميع رفاقه في الدرب من أسياد السراق.
لقد كان من المفارقة العجيبة أنه في هذه البلاد ينتشر سراق كثير ون ، لم يقف المجتمع منهم موقفه من سارق القنينة، نعرفهم سرقوا في وضح النهار دون خجل أو وجل، سرقوا ولم يواروها التراب ولم يخبؤوها في غياهب مخزن ولم يرحوا أنفسهم من عبها في سوق ’’ التبتابة ’’ كما كان ينوي سارق القنينة ، هؤلاء بسرقتهم شيدوا الفيلات الشاهقة على مشارف أفخم الطرق وزينوها بأبهى المصابيح ، حساباتهم بالبنوك تنوء برفوف العملات ومواشيهم تنتشر عبر الفيافي ترعى القمح والشعير وتشرب الصفو الزلال وتجمع ضوالها عابرات صحاري سريعة ومكيفة.!
أجسادهم ناعمة و رطبة بالحرام وأمعاءهم الغليظة متخمة به و يرفلون خيلاء في أزياء الحرير.
نحن سكان البلد من الشناقطة ندعي صناعة حضارة ونسمي أرضنا بلاد المنارة والرباط والمرابطين ، نحطم الرقم القياسي في الإسلام والإيمان والإحسان ، لذلك لا نحتاج إطلاقا لداعية أو مصلح أو آمر بمعروف أو ناه عن منكر وكنا رسل الحق والعلم في أفريقيا والعالم ، أرض العلماء وشعراؤنا أكثر من ساكنة أرضنا ، ومع ذلك كله فللشارع دينه وللدكان دين يختلف مع دين المسجد ودين الاجتماع القبلي، وأما يوم الاقتراع فله دين ينتهي بإغلاق المراكز عند السابعة .!!
لم لا نحاسب الناس بنفس المقاييس ولم لا نسمي الأشياء بأسمائها!؟ إن الإسلام والعصر يطلبان منا أن ننصف الناس ونعاملهم بالعدل والمساواة ، وان منطق الأخلاق وأوامر القانون تقتضي ذلك.
أليس جرم السارق الأخير أفظع من جريمة سارق القنينة ؟ سرق الأول قنينة تافهة لفرد واحد وسرق الثاني أموالا هائلة لشعب بأكمله .
سرق الأول تحت وطأة الفاقة وسرق الثاني لتكديس المزيد من المال.
سرق الأول في وهن من الليل وفي أحلك الأحياء وسرق الثاني نهارا جهارا وعلى الملء
سرق الأول فخبأ ما سرق تحت إبطه وسرق الثاني فكان المسروق ماثلا يعانق الثريا طولا وبهاء .
سرق المسكين القنينة فغلب عليه الخجل ، كان مطأطئ الرأس شاحبا يتلقى الضربات من الأطفال فلا يرد، وسرق الثاني فلم يخجل من فعلته ، كان يمشي الهوينى على البساط الناعم ، يضحك حتى نواجذه ويصلح من ربطة عنقه في تعال وكبرياء!!
إنني لا أجد تفسيرا لوقوف الناس ضد السارق الأول والحكم بحقارته الى الأبد ، فان تاب وأصلح لن يشفع ذلك له وسيظل منبوذا وتبجيلهم للسارق الثاني وتمجيدهم إياه؟
انه موقف ينم عن الانزلاق بعيدا عن روح الدين والتعارض الصارخ مع مقتضيات الحياة الطبيعية المتوازنة والمسلكيات المدنية.
كان علينا أن نخرج جميعا أيضا خلف السارق من الطراز الثقيل ونقول بملئ حناجرنا : سارق ، سارق وأن نفعل ذلك مع جميع أصناف السراق ، سواء سرقوا مالا خاصا أو عاما أو سرقوا رأيا أو ضميرا أو سلبوا إرادة
إن السرقة ـ طبعا ـ طرائق غددا وهي تتباين في حجم الضرر بالمجتمع والفتك بنتاج العمل الجماعي ولكنها تبقى واحدة في ما هيتها القيمية ، ومادامت كذلك فلماذا الازدواجية في المعايير ولماذا الكيل بمكيالين .
نقلا عن موقع الأخبار المستقلة مع تصرف في العنوان حيث كان العنوان قصة قصيرة وعنونتها بالسارق المظلوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من أرض المليون | السمات:من أرض المليون
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 15th, 2007 at 15 يناير 2007 6:48 م
قصة جميلة وفيها عبرة وفائدة… سعدت بمرورك على مدونتي كما أنني الآنسعيدة بزيارة مدونتك الرائعة… كل عام وأنت بخير وثقافتنا العربية بخير أخي أحمد ولد اسلم… أدامك الله وحفظك… أختك في الله.
يناير 15th, 2007 at 15 يناير 2007 8:01 م
وأنا سعيد جدا بمرورك على مدونتي وأتمنى لك ولكل الفلسطينيين الشرفاء كل خير
يناير 17th, 2007 at 17 يناير 2007 10:13 ص
شدني العنوان كثيرا .. وأظنك أصبت في تغييره.. فقلت في نفسي : كيف يكون السارق مظلوما ؟! .. تناقض شدني لقراءة النص كاملا وبتمعن أيضا ..
وما امتلأت به هذه القصة .. وإن كنت أظنها نسجا من الخيال - إلا أنها احتوت على الكثير من الفوائد والتنبيهات المفيدة والقيمة .. وكشفت لنا في نفس الوقت جانب آخر .. قد يغفل عنه البعض .. ويعجز البعض الآخر عن التعبير عنه ربما .. فالسارق الأخير بظني أولى بالعقاب والتنديد .. وإن كنت في نفس الوقت مع إعجابي بها أعتب على قاصها إقحام إمام المسجد والورع كما سماه وتصويره وتسليط الضوء عليه دون غيره ممن كان من المفترض أن يكون لهم دور في تعقب ذلك السارق فالقضاء مثلا وجهاز الشرطة .. وغيرهم .. مسئولن قبل إمام المسجد عن مايحصل ! ..
تحيتي وتقديري للناقل والمنقول منه ..
ظلوا بخير ..
شنقيطي نت
shanqite@hotmail.com
يناير 17th, 2007 at 17 يناير 2007 1:22 م
ربما أراد القاص أن يروي جزء من الثقافة التقلدية السائدة والتي بموجبها الإمام لايقحم نفسه في القضايا ذات البعد السياسي لكن الائمة ليسوا سواء
على كل الفكرة لصاحبها وهو حر في تبني الفكرة التي يقتنع بها
تحياتي لك ايها الشنقيطي العزيز
يناير 19th, 2007 at 19 يناير 2007 8:33 ص
Une histoire très impresssionnante et touche une réalité trés regrettable dans notre société
مارس 1st, 2007 at 1 مارس 2007 9:02 م
انت بعد امعيد واشريقاوي ازوين وذي القصة تكتل بي الظحك.
عند اسلوب ممتع في الكتابة احسن ربما من صاحب المدونة
يوليو 9th, 2007 at 9 يوليو 2007 7:46 ص
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
انتقاء الشخص دليل على ذائقته كما أن وضعك للعنوان جعلني أتأمل وأقرأ النص كما قال الأخ شنقيطي نت بحثا عن سبب ظلمه
وهذا هو ثالث نص أقرأه في هذه المدونة الرائعة وثاني نص أضع ردا عليه
تمنياتي لك بمزيد من التقدم ولشعبنا الحبيب مزيدا من التمسك بالدين الحنيف
عند قراءتي لحال الإمام تذكرت توقيعا لأحد الكتاب الساخرين في عالم النت يقول: (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القصر……. وأشار إلى قصر ولي الأمر)