إذا لم أستطع أن أشارك المقاومين شرف الجهاد.. والمشردين شقاء التهجير..فعلى الأقل لا أشارك الحكام البائسين ذل الصمت..

مزارع آدوابه النعمة : يضيع الجهد.. في ظل إهمال الدولة

كتبهاأحمد ولد إسلم ، في 24 ديسمبر 2008 الساعة: 11:20 ص

أحمد ولد إسلم - النعمة
 
ما إن يلوح في الأفق شعاع الفجر الكاذب حتى يخلو أدباي بغداد التابع لبلدية الجريف بمقاطعة النعمة من كل ساكنيه، فأهل القرية  وجميعهم من الأرقاء السابقين يسابقون المواشي إلى حرثهم، مخافة أن تسبقهم أبقارهم أو أغنامهم او أنعام جيرانهم إلى حقول أنفقوا فيها ما يملكون، على أمل أن تؤتي أكلها، وتنتج لهم ما يؤتون حقه يوم حصاده، وهم في ذلك عصاميون لا يتلقون العون من أحد.
بدائية في كل شيء..
 
ينطلق موسم الزرع في الحوض الشرقي مع بداية موسم الأمطار في شهر يوليو، يتقاسم سكان أدباي بغداد بإنصاف ما لديهم من المساحات الصالحة للزراعة في “قاعة أميلدة” و”لقليبات” و “التشلاتن”، وفق مبدأ ” إحياء الأرض موجب لملكيتها”، تأخذ كل أسرة ما تقدر على زرعه وحفظه، ويتعاون جميع أفرادها على إنجاز كافة مراحل العمل بدءا بتسوية الأرض وانتهاء بحساب المحصول لإخراج الزكاة.
المرحلة الأولى من العملية تكون بتسوية الأرض التي مضى عليها قرابة ثمانية أشهر دون استغلال، من خلال ما يسمى بـ”القج” حيث تنزع الشجيرات الصغيرة والنباتات الضارة، ويتم ذلك بواسطة محراث تقليدي يجره ثوران يقودهما أحد الأطفال، فيما يتولى أحد الراشدين توجيه المحراث، وأثناء ذلك ينثر بعض الحبوب التي احتفظ بها من حصاد العام الماضي.
 
وحين تسوى التربة ولا يكون فيها ما ينازع البذرة ماءها، تخصص مساحة صغيرة من الحقل لزرع منتوجات إضافية كالفول السوداني والفستق والبطيخ، وهي مهمة يتولاها عادة الأطفال، فيحفرون حفرا صغيرة، يضعون فيها البذرة ويسوون عليها التربة.
تستغرق هذه المرحلة حوالي أسبوعين أو ثلاثة، ويتوقف كل شيء هنا على المطر، فقد تأتي أمطار متوسطة تسقي الحرث فتنبت نباتا حسنا، وقد تأتي غزيرة فتعجز السدود الرملية المحيطة بالمساحات المزروعة عن استيعابها، فتجرف السد وما حوى، لتعيد الأسرة من جديد رحلة العناء، في بناء السد، ثم تسوية الأرض، ونثر البذور.
وقد لا يأتي من المطر بشكل متتابع ما يكفي لنمو البذور، فتصفر النبتة قبل هطول المطر، فتفوت على المزارعين فرصة السنة.
وفي أحسن الأحوال يستغل المزارعون الفترة الفاصلة بين نثر البذور وظهور الزرع في تقوية السدود، وضرب سور على كل مجموعة متقاربة من الحقول باستخدام الأشجار الشائكة، وذلك لمنع المواشي من اقتحام المزارع والتهام ما فيها.
يتعلم سكان أدباي بغداد هنا فقه الانتظار من مزارعهم، فهم يصبرون على عناء تسوية الأرض، ثم يبذرونها مسلمين الأمر لفالق الحب والنوى، يرقبون بصمت النبتة بكل مراحلها، ومن حديثنا معهم اكتشفنا أنهم يطلقون على كل مرحلة اسما متميزا.
 
فيقولون إن الحقول ظهر فيها “الطَبْيُ” إذا بدأت أولى بوادر النبات بالظهور، ثم “حبشت” إذا كان طول ساق النبتة حوالي ثلاثين سنتمتر، ثم “زرقت الدبوس” إذا باتت ارتفاع القصب حوالي متر، ثم “خنقت” إذا بدأت السنبلة في التشكل، ثم ” شدقت” إذا أخذت السنبلة شكلها المكتمل، ثم “لا حت التاكجورت” إذا ظهرت القشور الأولى للحبوب في السنبلة، وهنا تبدأ مرحلة ” النزيك” أي الصراخ الطارد للطيور، وثم ” انقطعت” إذا حصدت ، ثم “أندبزت” أي قام المزارعون بضرب السنابل بالأعمدة لفصل الحبوب عن قشورها، وأخيرا “أنطلقت” إذا غادرها المزارعون تاركين إياها للمواشي، وبين كل مرحلة وأخرى أسبوعان أو ثلاثة، ولا يستخدم في كل ذلك من الآلات إلا ما تعلمه المزارعون مما تفتقت عنه قرائح أسلافهم بطريقة التجربة والخطأ.
التويزة..عوضا عن الدولة
 
” نعتمد بشكل كلي على التعاون فيما بيننا، نتناوب على السهر، نعقد (اتويزة) عند الحصاد، وعند (الدبيرة)، يستعير كل منا آلة الآخر، ونتعاون في كل شيء” هذا ما أجابت به أم أهلي وهي تقتطع بحذر دقائق من وقتها للحديث إلى وكالة أنباء الأخبار المستقلة، فيما كانت ابنة أختها عائشة تلوح بـ”الزراقة” وهي قطعة جلد تضع فيها بعض الحصى لترمي أسراب الطيور، وتحاول المشاركة من بعيد في الحديث الدائر مع خالتها فتعلق بصوت مرتفع: ” لا أعرف إذا كانت الحكومة على علم بوجودنا أصلا، فأنا أعمل مع خالتي منذ سنوات في هذا الحقل، وأبي يزرع هناك في “لقليبات” ولم نتلق أي مساعدة من الدولة، سمعنا مرة أنها وزرعت بعض الحبوب مطلع العام، لكن نحن لم نستفد منها” وتقطع حديثها بصيحة مزلزلة لطرد الطيور، فيما كان الأطفال يتسللون بين سوق القصب لربط قطع قماش تحت السنابل لتحركها الرياح فلا تعطي فرصة للطيور لأكل المحاصيل.
تتدخل ميمونة وهي تقف تحت عريش متهالك وقد قدمت لتوها من الجانب القصي في الحقل قائلة “انظر نحن هنا ثلاثة أسر نزرع هذه المساحة الكبيرة، نتعاون على حمايتها ويميز كل منا حدود مزرعته بخط فاصل لا نبات فيه، انتقل بعضنا نهائيا لإكمال بقية الموسم هنا، والآخرون يلتحقون بنا فجرا ليسبقوا الأبقار التي يستهويها اخضرار القصب فتفضله على الحشائش اليابسة، ولو أن الدولة أعطتنا سياجا نضربه على الحقول لكنا الآن في أفضل حال..لكن الدولة لا علم لها بنا”
الأطفال..جزء من المشهد
 
رغم وجود مشروع مدرسة من فصل واحد، مشتركة بين “أدباي بغداد” و”أدباي الصنيقة” إلا أن الدراسة لا تشكل أولوية في الظرف الراهن للأطفال ولا لذويهم، فهم بحيويتهم أقدر على الحركة وأصواتهم أكثر إزعاجا للطيور، وتكاليف حياتهم أقل، كما أنهم عند الحصاد أقل طمعا.
وحين سألنا “أم أهلي” لماذا لا يرسلن أطفالهن إلى المدرسة قالت “إنهم يساعدوننا في أشغال الحقل، كما أن لا أحد نهارا في أدباي بغداد، ولن يجد الأطفال من يعتني بهم لدى عودتهم زوالا”.
وتتضاءل بشكل مطرد فرص أطفال آدوابة والقرى في الحوض الشرقي في التعليم كلما مرت سنة، حيث تفتح الإدارة الجهوية للتعليم فصلا واحدا يدرس فيه معلم واحد مستويين مختلفين، ولا عبرة هنا بالنجاح أو الرسوب، فالجيمع يتجاوز إلى القسم الأعلى لأن القرار الإداري لا يتضمن فتح فصل للراسبين.
في السنة الدراسية الحالية يوجد المستوى الأول والرابع، وفي العام القادم سيكون الثاني والخامس، ومن لم يلتحق في السنة الحالية أو المقبلة بالتعليم، عليه انتظار أربع سنوات كي يفتتح الفصل الأول من جديد، وهو ما يفوت على الكثير من الأطفال فرصة التمدرس.
حصاد أقل من الجهد..
 
بعد خمسة أشهر من الكد والتفرع للحقول، يأتي موسم حصاد ما أبقت الطيور والمواشي والآفات الزراعية، وعلى عكس ما يمثله موسم الحصاد بالنسبة للمزاعين من فرحة وإحساس بالنجاح، فإن مزارعي أدباي بغداد لا يجدون هذا الشعور عادة، فالمحاصيل الزراعية تكون في نهاية المطاف أقل بكثير مما بذل فيها من جهد، وقد لا يتجاوز المحصود بضع مئات كيلوغرامات، لا تصل في أغلب الحالات نصاب الزكاة.
وينتهي موسم الزرع بكل مراحله، لتشرع الأسر الفقيرة في البحث عن دخل بديل، فيغادر الرجال إلى مدينة النعمة بحثا عن فرصة عمل عضلي كالبناء وتفريغ الشاحنات أو حمل المواشي ومرافقتها إلى نواكشوط، أو بيع الحطب والحشائش.
فيما تتفرغ النساء للبحث عن فرصة عمل منزلي عند أحد بيوت القرى المجاورة، في انتظار أن يأتي غيث العام القادم..عله يكون أفضل من سابقيه..وقد لا يكون
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر, شعر, قصص قصيرة, مقالات | السمات:, , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “مزارع آدوابه النعمة : يضيع الجهد.. في ظل إهمال الدولة”

  1. أهلاً بك أخي العزيز أحمد..

    تقرير متميز من كاتب متميز و صحفي لامع..

    الكثير من أبناء هذا الوطن بعيدون عن الأعين يكابدون و يكدحون من أجل أن ينالوا لقمة عيشهم غير آبهين بما تلتهمه الأيدي الخفية من حقهم في هذا الوطن!!

    إنهم بالكاد يعرفون معنى الدولة لأنهم و ببساطة لا يعرفون لها فضلاً عليهم..!!

    لعلهم أكثر إدراكاً لما يعنيه الوطن بمفهومه الواسع، بأرضه السخية المعطاء و سماءه التي على قلة ما تمنحه غلأا أنه لا تمنه و لا تستغله في حملات انتخاب أعرج لا يمت إلى الحقيقة بصلة!!

    أهلاً بك يا أحمد و تحية إجلال وإكبار لكل أبناء الوطن المعزولين بداخله!!



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول