إذا لم أستطع أن أشارك المقاومين شرف الجهاد.. والمشردين شقاء التهجير..فعلى الأقل لا أشارك الحكام البائسين ذل الصمت..

موريتانيا: رسام يعزف منفردا

كتبهاأحمد ولد إسلم ، في 10 يوليو 2008 الساعة: 15:46 م

الضغط يولد الانفجار ، تلك قاعدة مسلمة وإليه ينضاف الإبداع أيضا، فقمع النظام الذي حكم موريتانيا عشرين سنة فجر لدى الكثير من الفنانين طاقات إبداعية ظلت خامدة سنين؛ من بين أولئك رسام الكاريكاتور الوحيد في موريتانيا ، الفنان: بون ولد الدف.

 هذه قصته.

أحمد ولد إسلم – نواكشوط

121571
بون ولد الدف يرسم رغم كل الضغوطات-ح.م.

لم يتخرج بون ولد الدف من مدرسة للفنون الجميلة، ولا هو خريج قسم الإعلام ، بل كان جنديا في قوات الدرك الوطني، فجر قمع المؤسسة العسكرية لأفكاره ، وإرغامه على التصويت في الانتخابات المختلفة لصالح الحزب الحاكم إبان نظام الرئيس معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع فجر ذلك موهبة كانت كامنة في خلده.
وبعد فصله قسرا من سلك الدرك الوطني بسبب آراءه السياسية ، استعاض عن حمل البندقية بحمل قلم الرصاص ومجموعة من الأصباغ الملونة ، ليرسم لوحات ناقدة وساخرة من الظلم الذي يعيشه أبناء البلد، ويصور كل ما هو خارج عن العادة.
مرت سنوات الحكم الطائعي والفنان بون ولد الدف محاصر ومبعد في وطنه، لم تجر معه أي مقابلة في أي من وسائل الإعلام الوطنية.وصودرت بسبب رسومه أعداد من جريدة أشطاري الساخرة التي تحوي رسوما حادة اللهجة تجاه السلطة القائمة.
وضيق الخناق المالي على صحيفة دنيا الكاريكاتور التي كان يصدرها ووئدت في مهدها.
وجد في المعارض الوطنية فرصة ضئيلة لعرض أفكاره ، لكنها ظلت دون المستوى الذي يطمح إليه، وبقيت حبيسة مجهوده الشخصي.
وبدافع  إحساسه المتزايد بالتهميش والاقصاء سافر إلى فرنسا حيث أقام عدة معارض في مونبلييه ودار الكاريكاتور في اجواييز ونال عدة أوسمة.
ومع الانقلاب على نظام معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع عام 2005 وجد متنفسا من الحرية فأصبحت له زاوية يومية في صحيفة الشعب الحكومية ، كما أجريت معه عدة لقاءات تلفزيونية وإذاعية ، قبل أن تشهد تلك الحرية تراجعا ملحوظا مع الحكم الجديد الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة، فأصبحت رسوماته عرضة لمقص الرقيب ،وأجبر في أحيان كثيرة على تغيير ملامح رسمه أو حذف سمات محددة حتى تتناسب مع رؤية الرقيب، ووصل الأمر حد المصادرة والمنع من النشر.


بون ولد الدف

مصدر الإلهام..
في منزله المتواضع بحيعرفات في الضاحية الجنوبية للعاصمة نواكشوط يتابع الرسام بون ولد الدف أحداث العالم بتمعن من خلال التلفزيون ،يقول إن العالم بأسره اليوم مادة دسمة لرسامي الكاريكاتور، وأن ليس لشيطان الكاريكاتور وقت محدد فهو يزوره حين يتابع الأحداث الأليمة التي تعيشها فلسطين والعراق ولبنان ، أو حين يشاهد اجتماعا للحكام العرب، أو خلافا بين اثنين منهم، أو يدير جهاز التحكم إلى القناة الوطنية، أو ينزل إلى أحياء الصفيح التي تحيط بالعاصمة، كما يلتقي شيطان الكاريكاتور حين تجبره ظروف الحياة على العمل كسائق سيارة أجرة ليشتري خبز أطفاله ، وأكثر زيارات الشيطان له تكون في المكاتب الحكومية حين يعاين طوابير المواطنين وهم يتدافعون للحصول على خدمات بسيطة.
وفي جميع الحالات لا يكون هناك موعد مسبق مع الفكرة ، فحين ينظر إلى الورقة البيضاء على منضدته الصغيرة ، ويتناول قلم الرصاص، تتزاحم الأفكار التي كانت مخزنة في عقله الباطن من المشاهد اليومية التي مرت به ، فيحتار من بين تلك الأفكار المزدحمة أنسبها للظرف وأقربها إلى الواقع.
فإذا صور الواقع وأحسن تصويره أحاله إلى الرقيب الذي يعطي لنفسه الحق في التصرف بالحذف والتعديل، فيفسد الفكرة تارة ويعكس معناها أخرى ، وحين لا توافق مزاجه يقرر مصادرتها.
ولأن الفنان بون ولد الدف يرفض أن يخلف موعدا لقرائه الأوفياء، يبدأ في إعداد رسم جديد بديل للرسم المصادر، ويدون على الفكرة الموءودة تاريخ وأدها ومن كان المشرف عليه، ويحتفظ بها في تابوتها حتى يأتي يوم نشرها.
كاريكاتور ما قبل وما بعد المصادرة

رسوم مصادرة..
لا يحفظ الفنان بون ولد الدف بالأرقام عدد رسومه التي تمت مصادرتها منذ انطلاقته، لأن المصادرة كانت أمرا متوقعا وعاديا في حياة الصحفيين والعاملين في ميدان الإعلام عموما في حقبة الرئيس الأسبق  معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع، لكن منذ انتخاب الرئيس الحالي سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، والذي أعقبه تغيير في إدارة مؤسسة الوكالة الموريتانية للانباء الناشرة لصحيفة الشعب التي يعمل بها بون ولد الدف بدأ يحصي الرسوم المصادرة والمعدلة من طرف إدارة الجريدة وأضحى يدون على كل رسم صودر له تاريخ مصادرته ومن قام بذلك.
من بين الرسوم المصادرة من طرف إدارة جريدة الشعب الحكومية رسم يتحدث عن الخطة الاستعجالية التي أعلنت عنها الحكومة بعد مظاهرات جابت المدن الكبرى تنديدا بالغلاء الفاحش للأسعار  في بداية نوفمبر تشرين الثاني من العام الماضي، وقد تمت مصادر الرسم يوم 26/11/2007 واحتفظ يه الفنان بون منتظرا أن يحد منبرا حرا لنشره.
وقبل أيام قليلة صودر له رسم عن انتظار غزة للقمة العربية ، كما درجت إدارة الجريدة على حذف بعض مكونات الرسم أو إضافة عبارات له بحجة مساسه أو معارضته للسياسة العامة للدولة.
ومن الرسوم المثيرة التي كانت سببا في تغيير اسم وزارة النفط الموريتانية أحد الرسوم التي عرضها الفنان بون ولد الدف في حصة تلفزيونية مباشرة عبر فيه عن فكرة مفادها أن اختصار اسم وزارة الطاقة والنفط (و,ط.ن) دليل على ان النفط المكتشف حديثا في موريتانيا سيمزق الوحدة الوطنية ، وأشار في رسمه إلى حجم الاختلاس الذي تتعرض له الموارد النفطية بإبداله اسم الوزارة بعبارة وكًّالة طرنيشة النفط (و,ط,ن) ومعنى العبارة الذين يأكلون أموال النفط وقد أبدل بعد ذلك اسم الوزارة فصار اسمها وزارة الطاقة والمعادن.
بالإضافة إلى رسم المساعدات الدولية الذي يصور المواطن البسيط وقد أغمض المسؤول الكبير عينيه حتى لا يرى حجم المساعدات الدولية التي تغدقها الدول و الهيئات المانحة والتي تسلك طريقا آخر لا يوصل إلى الأحياء الفقيرة المتناثرة في ضواحي العاصمة والمدن الموريتانية الكبرى.
القاعدة المعكوسة..
قاعدة الأشياء في الطبيعة أن تبدأ صغيرة ثم تكبر تدريجيا، إلى أن تصل أعلى مستوياتها، إلا أن الكاريكاتور في موريتانيا سار في المنحنى العكسي فقد انطلق كبيرا في السنوات الأربع الأخيرة من القرن الماضي والأولى من القرن الحالي،أيام ازدهار الصحف الساخرة مثلاشطاري و ش إلوح في ش لكن الحصار الاقتصادي الذي عانت منه تلك الصحف بسبب خطها المناوئ بطبعه لخط السلطة القائمة ، والأكثر إيلاما بحكم نبرتها الساخرة ، جعل الكاريكاتور يتراجع إلى أدنى مستوياته، حتى وصل به الحال إلى الغياب كليا عن الصحف المستقلة ، واقتصاره على صحيفة الشعب اليومية الرسمية.
ويرجع المراقبون تراجع هذا الفن الصحفي بالإضافة إلى الحصار المادي على الصحف الساخرة إلى ضعف الوعي بثقافة الكاريكاتور لدى الجماهير القارئة ، وغياب العناية الرسمية بهذا الفن، إضافة إلى ضعف توزيع الصحف الموريتانية التي لا يتجاوز توزيع أغلبها العاصمة نواكشوط.
كما أنه لا يوجد معهد أو مدرسة متخصصة في الفنون الجميلة أو الفنون التشكيلية، وهو ما جعل من رسامي الكاريكاتور مجرد هواة لم يصل أغلبهم إلى مستوى الاحترافية المطلوبة ، ما تسبب بشكل مباشر في التراجع الكبير لفن الكاريكاتور وصل في النهاية إلى الغياب عن صفحات الجرائد الموريتانية بشكل شبه كامل.
العزف المنفرد..
رغم وجود أكثر من خمس عشرة صحيفة يومية في موريتانيا ومثل هذا العدد من الصحف الأسبوعية المنتظمة ، لا توجد زاوية دورية ثابتة للكاريكاتور إلا في صحيفة الشعب الرسمية التي يعمل بها الفنان بون ولد الدف.
وهو ما جعل بون يعزف منفردا في الساحة الإعلامية الموريتانية ، فالرسامون الذين يتقنون فن الكاريكاتور لا يتجاوزون عدد أصابع اليد ، وقد أرغمتهم ظروف الحياة على البحث عن مصدر عيش بديل بعد ما تجافت عنهم الصحف إبان حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع ، مخافة أن تتسبب رسومهم الساخرة متاعب لا قبل للصحف بها.
كما لم يكتب النجاح بعد لمشروع دنيا الكاريكاتور الذي تبناه ولا زال متشبثا به الفنان بون ولد الدف ، وذلك ما جعل بون الرسام الوحيد في موريتانيا الذي عزم على حمل قلم رصاص أكبر منه ، متحديا ظروف الحياة العصيبة في العاصمة نواكشوط ومصرا أكثر على مواصلة مسيرة الكفاح في درب التعبير عن آلآم البسطاء وآمالهم جاعلا منهم قاعدته الخلفية التي منها ينطلق…هكذا يصور بون ولد الدف نفسه..
الموضوع منشور في موقع منصات:menassat.com
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر, شعر | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول