أييه ….لو كنت في بلدي
كتبهاأحمد ولد إسلم ، في 26 سبتمبر 2006 الساعة: 21:58 م
أحمد ولد إسلم
اليوم يأتي دوري في إعداد الطعام لزملائي في الإقامة الجامعية ، بعدما نجحت في تأجيله يومين بسبب مشاغل نقابية أيام الدخول الجامعي ، اليوم استيقظت باكرا ، كان علي ترتيب مسطرة أعمالي بشكل لا يقبل الخطأ.
فعلي أن أنطلق بعد الظهر مباشرة إلى وسط المدينة لأشتري المستلزمات من خضروات ولحم وحلويات ،سيكون علي أن أركب تاكسي في طريق سريع لا تسمع فيه غير أصوات المكابح المجنونة التي تتخل لحظة قبل وقوع الكارثة…سيكون علي أن أدخل معمعة سوق الخضار حيث لا تخطأ عينك منظر متشاجرين ولا تغادر أذنك الكلمات البذيئة والألفاظ الساقطة ، سأكون مضطرا لمشاركة هؤلاء الطابور، الطابور الذي لا يعرف النظام ..فالجميع هنا فاقدوا السيطرة على أعصابهم …لأنهم صائمون.
علي أن أعود إلى الغرفة قبل الساعة الثالثة والنصف حيث أمامي وجبات عديدة ملزم بإعدادها فمشكلتنا نحن الطلاب الموريتانيون في الخارج أنا نخلط عاداتنا وعادات البلد الذي نقطنه ولا نكتفي بواحدة منهما. مما يعني أنه علي إعداد طبق الشربة أو الحساء وهو من عادات الجزائريين ، كما علي تحضير طبق "أطاجين "وهو وجبة من اللحم والخضروات تأكل بالخبز وهي من عادات الموريتانيين ثم علي بعد ذلك تحضير العشاء الذي لابد أن يكون جاهزا قبل منتصف الليل ، هذا فضلا عن "الزريق" أي مشروب الحليب والياورت، والشاي الذي هو حجر الزاوية في المائدة سأحضر كل ذلك وحدي فالجميع هنا منشغلون بشؤونهم .مما يعني أني سأدخل المطبخ عند الساعة الثالثة والنصف ولن أخرجه إلا عند منتصف الليل.
وصادف هذا اليوم أني قد وضعت بعض ثيابي في الماء تمهيدا لغسلها ، هذا فضلا عن إلزامية مراجعة الأحزاب التي سأصلي بها التراويح ، أما مشروع مذكرة تخرجي الذي كان يأخذ أغلب وقتي في الأيام الماضية فقد ألغيته اليوم من المسطرة ..إضافة إلى أني أتوقع في أي لحظة أن يتصل أحد الطلاب يطلب خدمة مستعجلة لا يقبل تأجيلها لدقائق أحرى ليوم آخر ..هل رأيتم كم سيكون هذا اليوم صعبا؟؟
فأنا سأطبخ بيدي، ويشترط في الطبخ أن يكون جيدا فزملائي لا يريدون غير الكمال، وأغسل ثيابي بيدي، فلا أحد سيفعل ذلك عني ،وأقضي شؤون الطلاب بنفسي ،فهذا حقهم علي يوم انتخبوني، وأراجع أحزاب القرءان ، لأن من سأصلي بهم يحمل كل واحد منهم مصحفا ولن يعطيني فرصة للتوقف لثانية أحرى مراجعة آية، أما مذكرة تخرجي فعليها السلام..
في يوم واحد علي أن أكون طباخا ماهرا ،وغسالا قويا ونقابيا صابرا وإماما حافظا كل ذلك في يوم واحد..
ومشكلة ذلك اليوم أنه سيعود إلي بعد ثلاثة أيام فقط لأن بقية زملائي سافروا أو غادروا الإقامة لأن مطعمها لم يفتح أبوبه بعد ..ولو علمتم ما ذلكم المطعم لأشفقتم على مرتاديه ، مطعم يتطلب الحصول فيه على وجبة رديئة من الفاصوليا أو العدس المرور بطابور يذكر بيوم القيامة؛ تلتف فيه الساق بالساق طابور يمتد لقرابة الخمسين مترا يكون فيه الناس محصورين بين قضيبين من حديد لو أراد أحد أن يدخل شيئا في جيبه لأدخله في جيب زميله من شدة الازدحام ، تضيق فيه الصدور فلا تسمع إلا السب والشتم والكلام البذيء قال فيه أحد الطلاب مرة:
تعلمت فن الصبر في مطعم الملْ لي[1]*** ففارقني حسي وفارقني عقلي
ستذكر يوم الحشر إن أنت زرته*** فساق على ساق ورجل على رجل
يدوسك فيه "الحراقة" وتعني الذين لا يحترمون الطابور ولا ينتظرون دورهم ، فيدوسون تحت أقدامهم كل من هو أمامهم مضمدين جراح خاطره بعبارة استسماح جافة قال فيهم أحد الطلبة:
ذا "حراق" تثير الحزن رؤيته***يجتازنا لهفا لرؤية القدح
سامحني..خجلا منا يرددها *** وتارة يضفي نوعا من المرح
***************
إييييييه…. لو كنت في بلدي… ، لو كنت في بلدي كانت إحدى أخواتي أو العاملة ستتولى أمر الطبخ فلا أعرف حتى مما يتكون حتى يحين الفطور،وكنت سأضع لباسي عند غسال أمر عليه بعد يومين فأجده جاهزا دون أن أعرف كيف غسله، لو كنت هناك، ما كأن أحد من الطلبة الذين فرطت فيهم سفارتهم سيتصل علي شاكيا منها إلى الإتحاد ومتشبثا به كقشة الغريق،..
لكن للأسف أنا لست في بلدي ..وأعتقد أنه لا رمضان القادم ولا الذي بعده سأكون هناك،لأن العسكر الذين يتناوبون على حكم بلدي لم يوفروا لأمثالي مؤسسات تعليمية تلبي طموحهم،فلذلك أنا مضطر للسفر إلى الخارج لاستكمال دراستي مع ما سيرافق ذلك من طبخ وغسل وإهانة ..وسلام عليك يا وطن الأحرار
[1] المل لي: أي 1000سرير باللغة الفرنسية والحقيقة انها الآن ثلاثة آلاف سرير لكن هذه التسمية أطلقت على الإقامة قبل توسعتها وبقيت قائمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:خواطر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 27th, 2006 at 27 سبتمبر 2006 9:56 ص
God helpes you Ahmed
سبتمبر 27th, 2006 at 27 سبتمبر 2006 11:22 ص
السلام علكيم ورحمة الله تعالى وبركاته
خاطرة جميلة جدا وكان الله فى عونك ياابن وطن الاحرار
أكتوبر 3rd, 2006 at 3 أكتوبر 2006 11:21 م
الله غالب ياخويا شنقولك روح للشعيبة خير تخدم بعد اسبوع علي الاقل
أكتوبر 17th, 2006 at 17 أكتوبر 2006 1:37 ص
كم هو يوم شاق ..
ليتني كنت معك لأساعدك ..
وأتمنى أن يكون مر بسلام ..
لقد استفدنا من وصفك ليومك أن الإنسان الجاد بإمكانه أن يعمل الكثير في وقت قليل ..
شكرا لك مرة أخرى //